العيني
72
عمدة القاري
وغيرهما من سيبويه أنه حكى عن بعض العرب أنهم يقولون : اليماني ، بالياء المشددة . وقال القاضي وغيره : قد صرفوا قوله : الإيمان يمان ، عن ظاهره من حيث إن مبدأ الإيمان من مكة ، ثم من المدينة . وحكى أبو عبيد فيه أقوالاً : أحدها : أنه أراد بذلك مكة ، فإنه يقال : إن مكة من تهامة وتهامة من أرض اليمن . والثاني : المراد مكة والمدينة فإنه يروى ما في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا الكلام وهو بتبوك ، ومكة ومدينة حينئذ بينه وبين اليمن ، فأشار إلى ناحية اليمن وهو يريد مكة والمدينة ، فقال : الإيمان يمان ونسبها إلى اليمن لكونها حينئذ من ناحية اليمن ، كما قالوا : الركن اليماني وهو بمكة لكونه إلى ناحية اليمن . والثالث : ما ذهب إليه كثير من الناس وهو أحسنها أن المراد بذلك الأنصار لأنهم يمانيون في الأصل ، فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره . واعترض عليه الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح ، فقال ما ملخصه : إنه لو نظر إلى طرق الأحاديث لما ترك ظاهر الحديث . منها : قوله ، عليه السلام : ( أتاكم أهل اليمن ) والأنصار من جملة المخاطبين بذلك ، فهم إذا غيرهم . ومنها : قوله عليه السلام : ( جاء أهل اليمن ) ، وإنما جاء حينئذ غير الأنصار ، فحينئذ لا مانع من إجراء الكلام على ظاهره ، وحمله على الحقيقة لأن من اتصف بشيء وقوي قيامه به نسب ذلك الشيء إليه إشعاراً بتمييزه به ، وكمال حاله فيه ، وهكذا كان حال أهل اليمن حينئذ في الإيمان ، وليس في ذلك نفي له عن غيرهم ، فلا منافاة بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن الإيمان ليأرز إلى الحجاز ) . ويروى : ( الإيمان في أهل الحجاز ) ، لأن المراد بذلك الموجود منهم حينئذ لا كل أهل اليمن في كل زمان ، فإن اللفظ لا يقتضيه . قوله : ( والحكمة يمانية ) الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالأحكام المشتمل على المعرفة بالله عز وجل المصحوب بنفاذ البصيرة وتهذيب النفس وتحقيق الحق والعمل به والصد عن اتباع الهوى والباطل ، والحكيم من له ذلك ، وقال ابن دريد : كل كلمة وعظتك أو زجرتك أو دعتك إلى مكرمة أو نهتك عن قبيح فهي حكمة ، وحكم ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ( إن من الشعر حكمة ) وفي بعض الروايات : حكماً . قالَ أبُو عَبْدِ الله سُمِّيَتِ اليَمَنَ لأنَّهَا عنْ يَمِينِ الكَعْبَةِ والشَّأمَ عنْ يَسارِ الكَعْبَةِ والْمَشْأمَةُ المَيْسَرَةُ واليَدُ اليُسْرَى الشُّؤْمَى والجانِبُ الأيْسَرُ الأشْأمُ أبو عبد الله هو البخاري نفسه ، وليس هذا اللفظ بمذكور في بعض النسخ . قوله : ( سميت اليمن ) ، لأنها عن يمين الكعبة هذا قول الجمهور . وقال الرشاطي : سمي بذلك قبل أن تعرف الكعبة لأنه عن يمين الشمس ، وقيل : سمي بيمن بن قحطان ، وقيل : سمي بيعرب بن قحطان ، لأن يعرب اسمه يمن ، فلذلك قيل : أرض يمن . قوله : ( والشأم ) أي : سميت الشام لأنها عن يسار الكعبة ، وقيل : سمي بشامات هناك حمر وسود ، وقيل : سمي بسام بن نوح ، عليه الصلاة والسلام ، لأنه أول من اختطه ، وكان اسم سام : شام بالشين المعجمة ، فعرب فقيل : سام بالسين المهملة ، وقيل : شام اسم أعجمي من لغة بني حام ، وتفسيره بالعربي : خير طيب . وقال البكري : الشام مهموز وقد لا يهمز ، في ( المطالع ) : قال أبو الحسين بن سراج : الشام ، بهمزة ممدود وأباه أكثرهم فيه إلاَّ في النسب ، أعني : فتح الهمزة ، كما اختلف في إثبات الياء مع الهمزة الممدود فأجازه سيبويه ومنعه غيره ، لأن الهمزة عوض من ياء النسب ، فعلى هذا يقال : شامي وشآم في الرجل ، كما يقال : يماني ويمان . قوله : ( والمشأمة الميسرة ) الميم فيهما زائدة لأن اشتقاقهما يدل على ذلك ، لأنهما من الشؤم واليسار . قال الجوهري : المشأمة الميسرة ، وكذلك الشأمة والشؤم نقيض اليمن . قوله : ( واليد اليسرى ) ، يعني : تسمى بالشؤمى ، قاله أبو عبيدة ، وكذلك قال للجانب الأيسر الأشأم ، ومادة الكل من الشؤم وهو نقيض اليمن ، كما ذكرناه . 2 ( ( بابُ مَناقِبِ قُرَيْشٍ ) ) أي : هذا باب في بيان مناقب قريش والكلام فيه على أنواع . الأول من هو الذي تسمى بقريش من أجداد النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال الزبير : قالوا : قريش اسم فهر بن مالك وما لم يلد فهر فليس من قريش ، قال الزبير : قال عمي : فهر هو قريش اسمه وفهر لقبه ، وعن ابن شهاب اسم فهر الذي سمته أمه قريش ، وإنما نبذته بهذا كما يسمى الصبي : غرارة وشملة وأشباه ذلك ، وقال